لماذا ينظر الناس نظرة سلبية للطب النفسي؟

ما يعتقده الكثيرون من أن المرض النفسي لا يصيب المؤمن القوى, وكلها مفاهيم تشيع بين الناس في بلادنا مثقفين وغير مثقفين.

ويربط البعض بين الجن والجنون! ومفهوم الجان في الإسلام يشير إلى نوع من المخلوقات يقابل النوع البشري, وليس فيه ما يشين ولا يعيب, حتى أن الإسلام أرسل للجن كما أرسل للإنس, وما يخيف في مفهوم الجن؛ لكونهم كائنات غير مرئية كان البعض قد رأى أن سبب الجنون هو تسلط الجان على المريض؛ فإن نظرة الإسلام إلى الجان باعتبارهم أمة مثل أمة الإنس حمت المرضى النفسين من أن يحرقوا أو يعذبوا؛ أو يبعدوا؛ لأن أرواحا شريرة تسكنهم, فليس كل الجان أشراراً في الفهم الإسلامي؛ ولذلك عومل المريض النفسي كما يعامل أي مريض.

والكثيرون ممن يعتبرهم أهلنا في الريف أناساً (مبروكين), أو (مجذوبين), أو (شيوخاً) إنما هم مرضى بالفصام المزمن أو النقص العقلي الخفيف.

في أوروبا كان علاج المرضى النفسيين في القرون الوسطى كان يتم على يد رجال الكنيسة, ولذلك انتشرت الخرافات وساد التطرف بالإيمان في الأمور الغيبية كالسحر وتلبس الجن, وقد كان يتم احتجاز المرضى النفسيين آنذاك في أماكن سيئة ومعزولة؛ لأنهم قد لبستهم الأرواح الشريرة, وكان البعض الآخر يتعرضون لأسوأ أنواع المعاملة مثل التقييد بالأغلال المثبتة في الجدران لفترات قد تصل إلى عشرات السنين, وكانت هذه الأماكن بعيدة عن المستشفيات مما أدى إلى ركود الأبحاث في الطب النفسي وبالتالي إلى عدم إدراك الناس لحقيقته ومدى فائدته, وكذلك الصراع بين العلم والكنيسة في أوروبا في القرن الماضي ربما كان أحد الأسباب الأساسية في رفض الناس للطب النفسي, بل إن بعض مؤسسيه اتخذ موقفاً معادياً للدين.

ونظراً لصدارة أوروبا ثقافياً في العالم, فلقد انتقلت نظرة الرفض تلك إلى الشعوب الأخرى والتي رفضت بدورها الطب النفسي بدرجة أكبر مما حدث في أوروبا, وذلك لعدة أسباب:

الأول: أن عددا من المتخصصين في الطب النفسي كانوا مجرد نسخة لعلماء الغرب, ولا يختلفون عنهم.

الثاني: هذه الشعوب ترفض في أغلب الأحوال أي شيء يبدو وكأنه يتعارض مع الدين, وقد قام المعالجون التقليديون بتشويه صورة الطب النفسي من هذه الناحية.

على الرغم من بعض البقع السوداء في تاريخ الطب النفسي إلا أن فيه جوانب كثيرة مضيئة ينتفع منها المجتمع إن أحسن القائمون عليه توظيف تلك الجوانب, فليس الطب النفسي وعلومه مجرد عقاقير دوائية وأساليب علاجية, بل إنه يمكن استخدام شيء منه في خدمة المجتمع وتطويره, وكذلك في مجال الدعوة إلى الله أيضاً.